الأحد، 13 نوفمبر 2016

الضبط الشرعي لمفهوم التكفير في المذهب الوهابي


د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم

تمهيد: تتناول هذه الدراسة الضبط الشرعي لمفهوم التكفير والمفاهيم المتصلة به وأهمها مفهوم القتال في المذهب الوهابي، ومضمون هذا الضبط – الشرعي – الالتزام بالضوابط الشرعية لمفهوم التكفير – والمفاهيم المتصلة به كمفهوم القتال- من خلال موافقة مذهب أهل ألسنه ، القائم على الضبط الشرعي لهذا المفهوم – وغيره من المفاهيم – ومفارقه مذهب الخوارج ، القائم على الإطلاق البدعى لهذه المفاهيم . وتعرض الدراسة أولا للضبط الشرعي لهذه المفاهيم عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب مؤسس المذهب ، في معرض رده على اتهام بعض العلماء له بتكفيره للمسلمين،ثم تبين أن نفى الشيخ محمد بن عبد الوهاب الاتهام الموجه له بتكفير المسلمين ، وتقريره التزامه بالضوابط الشرعية للتكفير، لم يحول دون استمرار هذا الاتهام للشيخ والمذهب بعد وفاته. وان هذا يعنى ضرورة ضبط دلالات هذه النصوص ، بصرفها من الدلالة التي تفيد الإطلاق البدعى للتكفير، إلى دلاله أخرى تفيد الضبط الشرعي للتكفير بقرائن متعددة : أولا:النصوص الأخرى التي كتبها الشيخ والتي تنفى الدلالة الأولى وتفيد الدلالة الثانية ،ثانيا:الضوابط الشرعية لمفهوم التكفير التي قررتها النصوص ، والتي قررها علماء أهل السنة ومنهم الإمام ابن تيميه – شيخ الشيخ بن عبد الوهاب ، والتي اقر الشيخ التزامه بها، ثالثا: الرجوع إلى الدلالة الاصليه للنصوص التي استند إليها الشيخ في كتابه هذه النصوص . ثم تعرض الدراسة ثانيا للضبط الشرعي لهذه المفاهيم عند علماء المذهب المعاصرين ، في معرض نفيهم ادعاء بعض تنظيمات الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة (كالقاعدة وداعش)، انتسابها إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أو السلفية أو حتى الإسلام ، وتقريرهم أن هذه التنظيمات هي إحياء لمذهب الخوارج البدعى . ثم تبين الدراسة انه رغم ذلك الا أن هذه التنظيمات ظلت على ادعاءها ، وهو ما أدى استمرار اتهام المذهب بعدم الالتزام بالضوابط الشرعية لمفهوم التكفير والمفاهيم ذات الصلة كمفهوم القتال،وهو ما يفرض إجراء مزيد من الضبط الشرعي لمفهومي التكفير والقتال، والذي يتضمن: أولا:النفي التفصيلي لصله تنظيمات الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمه بالمذهب والسلفية والإسلام، ثانيا: إلزام المنتسبين للمذهب بالالتزام بالضوابط الشرعية لمفهومي التكفير والقتال .
تعريف بالشيخ محمد بن عبد الوهاب ومذهبه : ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب عام 1115 ه في بلدة العيينة من بلدان نجد، حفظ القرآن وقرأ الفقه على والده الذي كان قاضي العيينة، أقام في المدينة فترة أخذ فيها العلم عن الشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي والشيخ محمد حياة السندي، وتأثر بالإمامين ابن تيمية وابن القيم أعلام المذهب الحنبلي ،.خرج من المدينة إلى نجد وقصد البصرة وسمع فيها الحديث والفقه والنحو ، ثم اتجه لاحقا إلى بلدة حريملاء حيث كان والده قد انتقل إليها، وفيها أعلن فيها دعوته، ثم رجع إلى العيينة ووافقه أميرها على دعوته في بداية الأمر، الا انه أمره بالخروج منها عام 1158 ه، فاتجه الشيخ إلى بلدة الدرعية وأميرها محمد بن سعود فوافقه على دعوته ، واستمر التحالف بينهما حتى وفاته في شوال سنة 1206 ه . يرفض انصار الشيخ محمد بن عبد الوهاب مصطلح ” ألوهابيه” ، ويرون انه من اختلاق أعداء الشيخ محمد بن عبد الوهاب،ولكن بعض أنصاره لا يعترض على المصطلح إذا كان معناه موافق لحقيقة دعوه الشيخ محمد بن عبد الوهاب،و لا بقصد به تشويه هذه الدعوة أو السخرية منها: يقول الشيخ بن باز (لا يوجد مذهب وهابي، إنما هو طاعة الله ورسوله، الوهابية تدعو إلى ما قاله الله ورسوله، الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الذي تنسب إليه الوهابية هو رجل قام في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، يدعو الناس إلى ما قاله الله ورسوله، يدعو الناس إلى عقيدة السلف الصالح، من أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم والسير على منهج أصحابه في الأقوال والأعمال، وهو حنبلي المذهب … فليس له مذهب يخالف مذهب أهل السنة والجماعة، بل هو يدعو إلى مذهب أهل السنة والجماعة فقط، فإذا دعوت أحدا إلى التوحيد ونهيته عن الشرك فقالوا الوهابية، قل نعم أنا وهابي وأنا محمدي أدعوكم إلى طاعة الله وشرعه، أدعوكم إلى توحيد الله، فإذا كان من دعا إلى توحيد الله وهابيا فأنا وهابي(فتاوى نور على الدرب لابن باز: 3/152).وفى كل الأحوال فان المذهب الوهابي ليس مذهب قائم بذاته ومستقل عن غير من المذاهب العقدية والفقهية الاسلاميه، بل هو إحياء للجانب العملي التطبيقي من مذهب الإمام ابن تيميه،والذي هو اجتهاد في إطار المذهب الحنبلي، احد مذاهب أهل السنة ، يقول الشيخ بن عثيمين (وأما تسمية أهل التوحيد منهم بالوهابيين فهذه التسمية في الواقع اصُطنِعت لتشويه دعوة التوحيد، وإلا فإن الوهابية ليست مذهباً مستقلاً خارجاً عن مذاهب المسلمين، بل إن جميع كتب هؤلاء العلماء من رسائل ومؤلفات كبيرة وصغيرة كلها تدل على أن هؤلاء القوم أخذوا منهجهم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ،وأنهم لم يخرجوا عن ما كان عليه محققو الحنابلة كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما … وإلا فمن نظر إلى هذه الدعوة بعلم وإنصاف تبين له أنها هي حقيقة مذهب الحنابلة وغيرهم من أهل السنة والجماعة وأنها لا تعدوا ما كان عليه المسلمون من سلف هذه الأمة. )( فتاوى نور على الدرب للعثيمين :20/2).
الضبط الشرعي لمفهوم التكفير عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
أولا: اتهام العلماء له بتكفير المسلمين : اتهم بعض العلماء الشيخ محمد بن عبد الوهاب بتكفيره للمسلمين ، استنادا إلى ما تفيده دلاله بعض النصوص والرسائل التي كتبها ، فقد اتهمه هؤلاء العلماء بتكفيره للعامة في قوله (وان الذي عليه غالب الناس، من الاعتقادات في الصالحين وفى غيرهم هو الشرك ، الذي قال الله فيه(انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار))(الرسالة التاسعة والعشرون:7/ 196)،واتهموه بتكفيره للأعيان كتكفيره للإمام الفخر الرازي، في معرض نقله تقرير ابن تيميه أن تقرير عباده الكواكب كما في تصنيف الرازى رده باتفاق المسلمين (والفخر هو الذي ذكره الشيخ في الرد على المتكلمين لما ذكر تصنيفه الذي ذكر هنا قال وهذه رده صريحة باتفاق المسلمين)( مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد لابن عبد الوهاب /مؤلفات محمد بن عبد الوهاب : 1/288) ،واتهموه بتكفيره للمتكلمين في معرض نقله تكفير السلف والعلماء للمتكلمين(وأنا ادعوك إلى التفكر في هذه المسالة، وذلك أن السلف قد كثر كلامهم وتصانيفهم في أصول الدين ، وإبطال كلام المتكلمين وتكفيرهم)(الرسالة السابعة والثلاثون 7/246)… (وممن ذكر هذا من متاخرى الشافعية : البيهقى والبغوى والتيمى، ومن بعدهم كالحافظ الذهبي ، وأما متقدميهم كابن سريح والدارقطنى وغيرهم فكلهم على هذا الأمر)( الرسالة السابعة والثلاثون:7/ 256)،واتهموه بتكفير الصوفية في رفضه للممارسات بعض المنتسبين إليه (كثير من أتباع إبليس وأتباع المنجمين والسحرة والكهان من من ينتسب إلى الفقر،وكثير ممن ينتسب إلى العلم….ومرادهم آكل أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله لدرجه أن بعض أنواعها يعتقد فيه من يدعى العلم انه من العلم الموروث من الأنبياء من علم الأسماء وهو من الجبت والطاغوت)(الرسالة السابعة والثلاثون: 7/266)،واتهموه باعتباره الفقه شركا في معرض عرضه لتفسير الايه (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا) ( ومن أدله شيخ الإسلام” اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله” فقد فسرها رسول الله والائمه من بعده بهذا الذي تسمونه فقه وهو الذي سماه الله شركا واتخاذهم أربابا)(الرسالة التاسعة والثلاثون: 7/277)،واتهموه بتكفير الناس قبل ظهوره في قوله ( ومن زعم من علماء العارض انه قد عرف معنى لا اله الا الله او عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت، او زعم عن مشائخه أن أحدا عرف ذلك فقد كذب وافترى) (كتاب مجموع الرسائل لمحمد ين عيد الوهاب/ طباعة جامعة الإمام محمد بن سعود /1989 ).
ثانيا: رد الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الاتهام : وقد رد الشيخ محمد بن عبد الوهاب على هذا الاتهام ، من خلال نفيه لهذا الاتهام أولا، وتقريره التزامه بالضوابط الشرعية لمفهومي التكفير والقتال ثانيا:
ا/ نفى الشيخ محمد بن عبد الوهاب للاتهام بتكفير المسلمين: حيث يقول عن الشيخ سليمان بن سحيم (… افترى على أمورا لم اقلها ولم يأت أكثرها على بالى فمنها:قوله: انى مبطل كتب المذاهب الاربعه ، واني أقول أن الناس من ستمائة سنه ليسوا على شي، وأنى ادعى الاجتهاد ، وأنى خارج عن التقليد، وأنى اقو ل آن اختلاف العلماء نقمه ، وأنى اكفر من توسل بالصالحين ، انى اكفر البوصيرى لقوله يا أكرم الخلق، واني أقول لو اقدر على هدم قبه الرسول لهدمتها، ولو اقدر على الكعبة لأخذت ميزابها، وجعلت ميزاب من خشب، وأنى احرم زيارة قبر النبي ، واني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما واني اكفر من يحلف بغير الله، وأنى اكفر الفارض وابن عربي ،واني احرق دلائل الخيرات ورض الرياحين…..جوابى عن هذه المسائل أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم (الرسالة الأولى:7/12 – الرسائل الشخصية/ مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب دراسة وتحقيق صالح بن فوزان و محمد بن صالح العيلقى/ جامعه الإمام محمد بن سعود / الرياض المملكة العربية السعودية).
ب/ تقرير الشيخ محمد بن عبد الوهاب التزامه بضوابط التكفير والقتال:
1/ ضوابط التكفير عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
عدم التكفير بالظن : يقول( من أظهر الإسلام وظننا أنه أتى بناقض لا نكفره بالظن ، لأن اليقين لا يرفعه الظن، وكذلك لا نكفر من لا نعرف منه الكفر بسبب ناقض ذكر عنه ونحن لم نتحققه )( 3/24 :الرسائل الشخصية ).
عدم التكفير بالعموم : يقول( وأما القول إنا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين ونقول سبحانك هذا بهتان عظيم )(الرسائل الشخصية: 15/101 ).
عدم تكفير الا من سب الدين ونهى عنه:يقول(وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك. وأما القتال فلم نقاتل أحداً إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عرفه والسلام. ” الرسائل الشخصية 5/37
عدم التكفير بالموالاة وعدم تكفير الجاهل: يقول( تكفير من بان له أن التوحيد هو دين الله ورسوله ثم أبغضه ونفر الناس عنه. وجاهد من صدق الرسول فيه ومن عرف الشرك وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بإنكاره وأقر بذلك ليلا ونهاراً ثم مدحه وحسنه للناس وزعم أن أهله لا يخطئون لأنهم السواد الأعظم، وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن الله ورسوله. )( الرسائل الشخصية: 3/25 )
عدم تكفير الا من كفره جميع العلماء الموثوقين : يقول( ما ذكر لكم عني أني أكفر بالعموم فهذا من بهتان الأعداء، وكذلك قولهم إني أقول من تبع دين الله ورسوله وهو ساكن في بلده أنه ما يكفيه حتى يجييء عندي فهذا أيضا من البهتان ؛ إنما المراد اتباع دين الله ورسوله في أي أرض كانت ؛ ولكن نكفر من أقر بدين الله ورسوله ثم عاداه وصد الناس عنه ؛ وكذلك من عبد الأوثان بعد ما عرف أنها دين للمشركين وزينه للناس ؛ فهذا الذي أكفره وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء إلا رجلاً معانداً أو جاهلاً )(الرسائل الشخصية :9/58 )
عدم تكفير الا من كفر أهل التوحيد : يقول( فإن قال قائلهم إنهم يكفرون بالعموم فنقول : سبحانك هذا بهتان عظيم الذي نكفر الذي يشهد أن التوحيد دين الله ودين رسوله، وأن دعوة غير الله باطلة ثم بعد هذا يكفر أهل التوحيد، ويسميهم الخوارج ويتبين مع أهل القبب على أهل التوحيد )(الرسائل الشخصية: 7/48)
عدم تكفير من لم تبلغه الحجة : يقول( من عمل بالتوحيد، وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم في أي زمان وأي مكان وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعد ما نبين له الحجة على بطلان الشرك وكذلك نكفر من حسنه للناس، أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك بالله عندها، وقاتل من أنكرها وسعى في إزالتها قوله إني أكفر من توسل بالصالحين، وقوله : إني أكفر البوصيري لقوله يا أكرم الخلق، وقوله إني أقول لو أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب، وقوله إني أنكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم وإني أكفر من يحلف بغير الله فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول : (سبحانك هذا بهتان عظيم ) ” . الرسائل الشخصية 11/64
2/ ضوابط القتال عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
اباحه القتال مشروط بالدفاع عن النفس والحرمة: يقول(وأما القتال فلم نقاتل أحداً إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عرفه والسلام.)( الرسائل الشخصية : 5/37)
تحريم الخروج على ولى الأمر”استخدام القوه المسلحة لتغيير لحاكم”:
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته لأهل القصيم (وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برّهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته وحرم الخروج عليه (مجموعة مؤلفات الشيخ [5/11])، ويقول أيضا: الأصل الثالث: أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمّر علينا ولو كان عبداً حبشيّاً” (مجموعة مؤلفات الشيخ [1/394]) بواسطة (دعاوى المناوئين [233-234]).
وقد رد علماء المذهب على اتهام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالخروج على الخليفة العثماني، من خلال تقريرهم الاتى: أولا: أن نجد – موطن الشيخ – لم تكن يوما تابعه لدولة الخلافه العثمانية، يقول الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (لم يخرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب على دولة الخلافة العثمانية فيما أعلم وأعتقد فلم يكن في نجد رئاسة ولا إمارة للأتراك بل كانت نجد إمارات صغيرة وقرى متناثرة وعلى كل بلدة أو قرية مهما صغرت أمير مستقل، وهي إمارات بينها قتال وحروب ومشاجرات )(ندوة مسجلة على الأشرطة) نقلا عن (دعاوى المناوئين. ص [237])). ثانيا: ان الشيخ محمد بن عبد الوهاب راسل أشراف مكه ، وابدي لهم طاعته لهم، وعدم نيته الخروج عليهم ، حيث أرسل وفد برئاسه الشيخ / عبد العزيز بن عبدالله الحصين، وحمله رسالة الى الشريف أحمد جاء فيها ‏ انه ( … رفع يديه بالدعاء إلى الله بتأييد الشريف لما كان قصده نصر الشريعة المحمدية ومن تبعها، وعداوة من خرج، وهذا هو الواجب على ولاة الأمور‏)‏ ‏(‏ حياة محمد بن عبد الوهاب ، ص322‏)‏‏.‏ ثالثا:رغم ذلك فان أشراف مكه نواب الخليفة العثماني في الحجاز، استعدوا دولة الخلافة العثمانيه علي الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأنصاره ، فأرسلت عده حملات إلى نجد ، ورد عليها انصار الشيخ من باب رد العدوان.
ضرورة ضبط دلالات النصوص:غير أن نفى الشيخ محمد بن عبد الوهاب الاتهام الموجه له بتكفير المسلمين ، وتقريره التزامه بالضوابط الشرعية للتكفير، لم يحول دون استمرار هذا الاتهام للشيخ والمذهب بعد وفاته. وهذا يعنى ضرورة ضبط دلالات هذه النصوص ، بصرفها من الدلالة التي تفيد الإطلاق البدعى للتكفير، إلى دلاله أخرى تفيد الضبط الشرعي للتكفير بقرائن متعددة : أولا:النصوص الأخرى التي كتبها الشيخ والتي تنفى الدلالة الأولى وتفيد الدلالة الثانية ،ثانيا:الضوابط الشرعية لمفهوم التكفير التي قررتها النصوص ، والتي قررها علماء أهل السنة ومنهم الإمام ابن تيميه – شيخ الشيخ بن عبد الوهاب ، والتي اقر الشيخ التزامه بها،ثالثا: الرجوع إلى الدلالة الاصليه للنصوص التي استند إليها الشيخ في كتابه هذه النصوص.
نماذج لضبط دلالات النصوص :
أولا: ضبط النص الذي استند إليه العلماء فى اتهامه بتكفير الإمام الرازي، بصرفه من الدلالة التي محل التكفير هو شخص الإمام الفخر الرازي وعلى التأبيد، إلى دلاله أخرى تجعل محل التكفير فكره عباده الكواكب التي عرض لها الإمام في بعض تصانيفه ، وبالتالي فان التكفير في هذه الدلالة مقصور على حاله عرضه للفكرة من باب الإقرار بصحتها ، ولا يتجاوزه إلى حاله عرضه للفكرة من باب العرض الموضوعي، المتضمن عرض حجج المعتقدين فيها قبل نقض هذه الحجج ، كما أن التكفير مؤقت اى ينتفي في حاله تراجعه عن الإقناع بصحة هذه الفكرة ، وذلك استنادا إلى القرائن الاتيه : أولا :إقرار الشيخ محمد بن عبد الوهاب للضابط الشرعى (عدم تكفير المعين ) – ثانيا: أشار الإمام ابن تيميه في النص الذي استند إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى احتمال توبة الإمام الرازى حيث يقول ابن تيميه (كما صنف الرازى كتابه في عباده الكواكب والأصنام، وأقام الادله على حسن ذلك ومنفعته ورغب فيه، وهذه رده عن الإسلام باتفاق المسلمين، وان كان قد يكون تاب منه وعاد إلى الإسلام)(مجموع الفتاوى: 4/55)
ثانيا: ضبط النصوص التي استند إليه العلماء في اتهامه بتكفير الناس قبل ظهوره ، بصرفها من الدلالة التي تفيد تكفيره لأهل الفترة ، إلى دلاله أخرى تفيد شيوع بعض أنماط التفكير والسلوك البدعى فئ المجتمعات المسلمة قبل ظهوره ، وذلك استناد إلى القرائن التالية : أولا: نفيه لهذا الاتهام فى نصوص أخرى ، ثانيا: تقرير ابن تيميه- شيخ الشيخ بن عبد الوهاب – أن أهل الفترة لا يستحقون العذاب(والجمهور من السلف والخلف على ان ما كانوا فيه قبل مجى الرسول من الشرك والجاهليه شيئا قبيحا وكان شرا ، لكن لا يستحقون العذاب إلا بعد مجي الرسول )( مجموع الفتاوى: 11/ 677).
ثالثا: ضبط النص الذي استند إليه العلماء فى اتهامه بتكفير المتكلمين ، بصرفه من الدلالة التي إلى تفيد تكفير المتكلمين كفر مخرج من الملة، ودون اعتبار كون ما قرروه مخالف أو موافق للكتاب والسنة ، إلى دلاله أخرى تفيد انه كفر دون كفر وهو مقصور على ما قرروه ويخالف الكتاب وألسنه ، وذلك استنادا إلى القرائن التالية : أولا: ثناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب على فطنه المتكلمين – مع تقريره مخالفتهم للسلف – كما فى قوله (وأهل الكلام وأتباعهم من احذق الناس وأفطنهم، حتى أن لهم من الذكاء والحفظ والفهم ما يحير اللبيب ، وهم واتباعهم مقرون إنهم مخالفون للسلف)( الرسالة السابعة والثلاثون: 7/346 والدرر السنيه1/52)، ثانيا : أن الموقف الحقيقي للإمام ابن تيميه – شيخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب- هو موقف نقدي قائم على اخذ ما وافق الكتب والسنة ، ورد ما خالفها ،حيث يقو ل ابن تيميه ( فَالسَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ لَمْ يَكْرَهُوا الْكَلَامَ لِمُجَرَّدِ مَا فِيهِ مِنْ الِاصْطِلَاحَاتِ الْمُوَلَّدَةِ ، كَلَفْظِ الْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ وَالْجِسْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ؛ بَلْ لِأَنَّ الْمَعَانِيَ الَّتِي يُعَبِّرُونَ عَنْهَا بِهَذِهِ الْعِبَارَاتِ فِيهَا مِنْ الْبَاطِلِ الْمَذْمُومِ فِي الْأَدِلَّةِ وَالْأَحْكَامِ مَا يَجِبُ النَّهْيُ عَنْهُ ، لِاشْتِمَالِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَعَانِي مُجْمَلَةٍ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي وَصْفِهِ لِأَهْلِ الْبِدَعِ ، فَقَالَ : هُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي الْكِتَابِ ، مُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ ، مُتَّفِقُونَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ ، يَتَكَلَّمُونَ بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ الْكَلَامِ ، وَيُلَبِّسُونَ عَلَى جُهَّالِ النَّاسِ بِمَا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ مِنْ الْمُتَشَابِهِ . إذَا عُرِفَتْ الْمَعَانِي الَّتِي يَقْصِدُونَهَا بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ ، وَوُزِنَتْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، بِحَيْثُ يَثْبُتُ الْحَقُّ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، وَيُنْفَى الْبَاطِلُ الَّذِي نَفَاهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْحَقَّ ) (مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ، المجلد الثالث (العقيدة)، الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين) . ثالثا: ان الموقف الحقيقي للسلف والعلماء الذين نقل الشيخ بن عبد الوهاب تكفيرهم للمتكلمين هو ان كفر المتكلمين هو كفر دون كفر، وان معيار الأخذ والرد هو موافقة أو مخالفه الكتاب والسنة يقول الإمام البيهقى (والذي روينا عن الشافعي وغيره من الائمه من تكفير هؤلاء المبتدعة، فإنما اراد به كفر دون كفر ، وهو كما قال الله(ومن لم يحكم بما انزل الله فاؤلئك هم الكافرون : قال ابن عباس: انه ليس الكفر الذى تذهبون اليه- يقصد- الخوارج- ، انه ليس بكفر ينقل عن مله ولكن كفر دون كفر ، قال الشيخ رحمه الله: فكأنهم أرادوا بتكفيرهم ما ذهبوا اليه من نفى هذه الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه فعدلوا عن الظاهر بتأويل، فلم يخرجوا به من المله)( سنن البيهقى الكبرى: 1-10/207) ، نقل الامام الذهبي عن الامام الشافعي ( قال الشافعي: كل متكلم على الكتاب والسنة فهو الجد وما سواه فهو الهذيان)( تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام)/دار الكتاب العربي/ لبنان/ط1/ 14/ 329)
رابعا: ضبط النص الذي استند إليه العلماء في اتهامه باعتبار الفقه شرك ، بصرفه من الدلالة التي إلى تفيد ذلك إلى دلاله أخرى تفيد أن الشرك مقصور على حاله اتخاذ الفقهاء أربابا من دون الله بقرينه تقريره للفقه والمذاهب الفقهية الاربعه (فنحن مقلدون الكتب وألسنه وصالح سلف الامه والاعتماد على أقوال ألائمه الاربعه: أبو حنيفة النعمان بن ثابت ومالك بن انس ومحمد ابن ادربيس واحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى )( الرسالة الرابعة:7/96)
خامسا: ضبط النصوص التي استند إليه العلماء في اتهامه بتكفير الصوفية ، بصرفها من الدلالة التي إلى تفيد تكفيره للصوفية دون تمييز بين المتصوفة الحقيقيين وأدعياء التصوف ، ودون تمييز بين العقائد والسلوكيات الصوفية المختلفة، ومدى موافقتها أو مخالفتها للكتاب وألسنه، إلى دلاله أخرى تقصر التكفير على أدعياء التصوف ، الذين يتبنون عقائد أو سلوكيات مخالفه للكتاب وألسنه،وذلك استناد الى القرائن التالية : أن نصوصه لا تتضمن تعميم كقوله (كثير من أتباع إبليس وأتباع المنجمين والسحرة والكهان من من ينتسب إلى الفقر،وكثير ممن ينتسب إلى العلم)(الرسالة السابعة والثلاثون: 7/266) ،فالنص يتضمن مصطلح (كثير) وليس( كل )، ثانيا: أن بعض النصوص التي كتبها الشيخ محمد بن عد الوهاب تتضمن الثناء على بعض الصوفية الملتزمون بالكتاب والسنة وفي القسم الثالث من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب جزء (فتاوى ومسائل) قام بجمعها الشيخ صالح بن عبد الرحمن الأطرم ومحمد عبد الرازق الدويسي والصفحة رقم (31) المسألة الخامسة “اعلم أرشدك الله – أن الله سبحانه وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى الذي هو العلم النافع ودين الحق الذي العمل الصالح إذا كان من ينسب إلى الدين: منهم من يتعانى بالعلم والفقه ويقول به كالفقهاء ومنهم من يتعانى بالعبادة طلب الآخرة كالصوفية. وبعث الله بنبيه بهذا الدين الجامع للنوعين( عبد الحفيظ بن عبد الحق المكي، موقف أئمة الحركة السلفية من التصوف والتصوف، دار لسلام القاهرة، ط 1988م، صض15) وفي القسم الثاني من مؤلفاته (الفقه) المجلد الثاني ص (4) في رسالة (أربع قواعد تدور الأحكام عليها) يقول ” اعلم رحمك الله إن أربع هذه الكلمات يدور عليها الدين سواء كان المتكلم يتكلم في علم التفسير أو في علم الأصول أو في علم أعمال القلوب الذي يسمى علم السلوك…” وفي (لحق المصنفات) “هذه مسألة” صفحة (124) قال ” فنفس محبته أصل عبادته والشرك فيها أصل الشرك في عبادته ولهذا كان مشايخ الصوفية العارفون يوصون كثيراً بمتابعة العلم قال بعضهم “ما ترك أحد شيئاً من السنة إلا لكبر في نفسه”، ثالثا:أن الموقف الحقيقي لائمه المذهب الحنبلي كالإمام احمد إبن حنبل والإمام ابن تيميه والإمام ابن القيم من التصوف يتجاوز الرفض المطلق ، إلى موقف نقدي قائم على التمييز بين المتصوفة الحقيقيين وأدعياء التصوف ، طبقا لمعيار التمييز بين العقائد والسلوكيات الصوفيه الموافقة للكتاب والسنه والمخالفة لهما ، فعن الإمام أحمد بن حنبل نجد في الجزء الثاني من طبقات الحنابلة للقاضي محمد بن أبي يعلي ،مقدمة الشيخ أبي محمد بن تميم النبلي في عقيدة الإمام أحمد بن حنبل (قد سئل مرة عن المريد فقال أن يكون مع الله كما يريد ،وأن يترك كل ما يريد لما يريد…) ،وقال وقد سئل عنهم (وقيل له يجلسون في المساجد فقال: العلم أجلسهم)، ويرفض الامام ابن تيميه موقفى الرفض والقبول المطلقين للتصوف (فَطَائِفَةٌ ذَمَّتْ ” الصُّوفِيَّةَ وَالتَّصَوُّفَ ” . وَقَالُوا : إنَّهُمْ مُبْتَدِعُونَ خَارِجُونَ عَنْ السُّنَّةِ وَنُقِلَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ وَتَبِعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْكَلَامِ . وَطَائِفَةٌ غَلَتْ فِيهِمْ وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَأَكْمَلُهُمْ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَكِلَا طَرَفَيْ هَذِهِ الْأُمُورِ ذَمِيمٌ )…ثم يتخذ موقف نقدى يميز بين طوائفهم ويستبعد ادعيائم حيث يقول (وَ ” الصَّوَابُ ” أَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ كَمَا اجْتَهَدَ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ طَاعَةِ اللَّهِ فَفِيهِمْ السَّابِقُ الْمُقَرَّبُ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ وَفِيهِمْ الْمُقْتَصِدُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ وَفِي كُلٍّ مِنْ الصِّنْفَيْنِ مَنْ قَدْ يَجْتَهِدُ فَيُخْطِئُ وَفِيهِمْ مَنْ يُذْنِبُ فَيَتُوبُ أَوْ لَا يَتُوبُ . وَمِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَيْهِمْ مَنْ هُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ عَاصٍ لِرَبِّهِ . وَقَدْ انْتَسَبَ إلَيْهِمْ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالزَّنْدَقَةِ ؛ وَلَكِنْ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ لَيْسُوا مِنْهُمْ : كَالْحَلَّاجِ مَثَلًا ).
مذهب تقسيم التوحيد : اخذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب بمذهب شيخه الإمام ابن تيميه في تقسيم التوحيد ، والذي مضمونه تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد إلهيه ، ويتضمن الأخير إثبات الأسماء والصفات ، ومضمون الأول هو الاعتقاد بأن الله هو وحده الرب والخالق والمحيي والمميت والرازق والمدبر، ويرى ابن تيميه أن هذا القسم من أقسام التوحيد قد أقر به الناس كافة ـ بالفطرة ـ مؤمنهم وكافرهم . أما الأول ( توحيد الإلهية) فمضمونه هو اعتقاد أنه لا إله إلا الله، ويعني ذلك صرف جميع العبادات من الدعاء والسجود والنذر والطواف والحلف ونحو ذلك إلى الله دون سواه من صنم أو قبر،ويرى ابن تيميه ان هذا القسم من أقسام التوحيد هو المعوّل عليه، والذي جاءت به الرسل. يقول ابن تيمية ( التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الإلهية لله وحده بأن يشهد أن لا إله إلا الله ولا يعبد إلا إياه ولا يتوكل إلا عليه ولا يوالي إلا له ولا يعادي إلا فيه ولا يعمل إلا لأجله وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات)، ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب (… إنّ الكفار الذين قاتلهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مقرّون بأنّ (اللّه) هو الخالق الرازق المدبر، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام لقوله تعالى”قُلْ مَنْ يَرزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأرضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبصَارَ… فَسَيَقُولُونَ اللّه فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ” )( رسالة أربع قواعد ص 1 – 4 ط مصر )
نقد بعض العلماء لمذهب ابن تيميه في تقسيم التوحيد: وقد تعرض مذهب ابن تيميه في تقسيم التوحيد إلى النقد من العديد من العلماء،ويتضمن هذا النقد :أولا: أن هذا التقسيم لم يرد- بلفظه- في القران والسنة، ولم يقل به احد من السلف الصالح من أهل القرون الثلاثة، ورتب الكثير منهم على هذا انه بدعه.ثانيا: القول بأن الناس أجمعين – مؤمنهم وكافرهم – مقرون بتوحيد الربوبية؛ يخالف تقرير القران الكريم إن كثير من الأقوام أنكروا ربوبية الله تعالى أو أشركوا غيره في الربوبية كقوله تعالى(.. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ) [الحج: 39، 40]، و قوله تعالى(وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} [غافر: 28] وقوله تعالى (لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا) ،وقوله تعالى (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) .ثالثا: الآيات التي استدل بها ابن تيمية على أن الكفار والمشركين مقرون بتوحيد الربوبية كقوله تعالى (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَاتَتَّقُونَ)(المؤمنون: 86، 87)، تدل على أنهم يقرون بربوبية الله تعالى، ولكنها لا تدل على أنهم يقرون بتوحيد الربوبية، لأنهم لا يقرون بربوبية الله تعالى وحده، بل يسندون الربوبية إلى سواه أيضا . فهناك فرق بين الإقرار بربوبية الله تعالى وبين الإقرار بتوحيد الربوبية.رابعا: فسر ابن تيميه الايه (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)(الزمر: 3)،بما يفيد بأن الكفار والمشركين يقرون بتوحيد الربوبية، بينهما تفسيرها – الذي يتسق مع سياقها- أن إقرارهم بتوحيد الربوبية هو كذب منهم بدليل بقيه الايه (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)(الزمر: 3).خامسا: أن البعض استخدم هذا التقسيم كذريعة لتكفير المخالف في المذهب،و دون التزام بالضوابط الشرعية للتكفير التي اقرها علماء أهل السنة- بما فيم ابن تيميه – استنادا إلى النصوص.
ضرورة الضبط الشرعي لمذهب تقسيم التوحيد : يجب تقرير أن تقسيم التوحيد – بصوره عامه – لا ينفرد به ابن تيميه ولا المذهب الحنبلي، فقد قال به علماء عديدون، و من مذاهب أهل السنة الأخرى، ولكن طبقا لصياغات أخرى، فعلى سبيل المثال لا الحصر قسم بعض علماء المذهب الاشعرى التوحيد إلى ثلاثة أقسام هي : توحيد الذات، وتوحيد الصفات، وتوحيد الأفعال، يقول كمال الدين ابن أبي شريف ( التوحيد هو اعتقاد الوحدانية في الذات والصفات والأفعال ( المسامرة شرح المسايرة: 43).وبناء على هذا فان المطلوب ليس إلغاء مذهب تقيم التوحيد ،بل ضبطه بضوابط شرعيه تتضمن: أولا:لا يجوز اتخاذ تقسيم التوحيد كوسيلة لوصف المسلمين بالشرك : أن تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد الوهيه،أو تقرير إنكار الكفار والمشركين لتوحيد الالوهيه- وإنهم اقروا بربوبية الله – وليس توحيد الربوبية – لا يجوز إن يترتب عليه وصف بعض أفعال المسلمين، التي اختلفت المذاهب في حكمها ،كالاستغاثة والتوسل وزيارة وبناء الاضرحه والقبور … بأنها شرك في الالوهيه لأنها- فضلا عن كونها متعلقة بمسائل خلافيه وليست محل إجماع – خاضعة لمعيار النية لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم ) (إنما الأعمال بالنيات)، كما انه لا يجوز جعل الآيات التي نزلت فى الكفار على المسلمين – بما فيها الآيات التي تصف إنكار الكفار لتوحيد الالوهيه – . ثانيا:التمييز وليس الفصل بين الربوبية والالوهيه : أن تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد الوهيه يجب أن يقوم على التمييز بين الربوبية والالوهيه ، وليس الفصل بينهما ،فقد ربطت النصوص بين الربوبية والالوهيه كقوله تعالى (رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً) ، وقوله تعالى(ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض) .ثالثا:تقسيم التوحيد اصطلاحي وليست توقيفي: أن تقسيم التوحيد هو مسالة اصطلاحيه وليست توقيفيه ، ويدل على هذا: ا/ اختلاف العلماء في صيغ تقسيم التوحيد :أن العلماء – حتى داخل المذهب الحنبلي – لم يتفقوا صيغه واحده لتقسم التوحيد، له بل قررو صيغ مختلفة له ، فقسمه ابن تيميه إلى توحيد الربوبية وتوحيد الالهيه، وقرر أن إثبات الأسماء والصفات متضمن في الأخير، وقام تلميذه ابن أبى العز استنادا الى ذلك بتقسيمه إلى ثلاثة أقسام هى توحيد الربوبية وتوحيد الالهيه وتوحيد الأسماء والصفات، وقسم ابن القيم ا التوحيد الى توحيد فى المعرفة والإثبات ، وتوحيد فى الطلاب والقصد . ب/ تقرير العلماء أن تقسيم التوحيد تقريبي وتعليمي واستقرائي: وقد قرر كثير من العلماء المعاصرين، الذين قالوا بالصيغة الثلاثية لتقسيم التوحيد (توحيد ربوبية وألوهيه وأسماء وصفات ) أن تقسيم التوحيد من باب الوسائل والتقريب للتفهيم والتعليم وانه محصله استقراء النصوص- وكلها أوصاف تدل على انه اصطلاحي وليس توقيفي- يقول الشيخ ابن عثيمين (…فالصواب -بلا شك-: إن تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، وذكر الشروط والأركان والواجبات والمفسدات في العبادات؛ كل هذا جائز؛ لأنه من باب الوسائل والتقريب وحصر الأشياء لطالب العلم. )( شرح عقيدة أهل السنة والجماعة، للشيخ ابن عثيمين – الشريط الأول/الوجه الأول). رابعا:تقسيم التوحيد مسالة فرعيه اجتهادية: ويترتب على كون تقسيم التوحيد مسالة اصطلاحيه وليست توقيفيه، أنها مسالة فرعيه اجتهادية وليست مسالة أصليه نصيه .وبالتالي لا يجوز وصف تقسيم التوحيد أو اى صيغه من صيغه بأنه بدعه- كما يرى منكري تقسيم التوحيد عامه، أو صيغته الثلاثية السابقة الذكر خاصة- إلا في حاله القول بأنها مسالة توقيفيه وبالتالي أصليه نصيه.كما انه لا يجوز تكفير من أنكر تقسيم التوحيد أو أنكر اى من صيغه . إقرار الشيخ محمد بن عبد الوهاب بمذهب الشمول الشرعي لمصطلح أهل السنة : ورغم اخذ بعض متاخرى المنتسبين إلى المذهب الوهابي بمذهب التضييق المذهبي لمصطلح ” أهل السنة ” وذلك بالقول بان المصطلح مقصور على المذهب الحنبلي أو حتى المذهب الوهابي، الا أن هناك العديد من النصوص التي كتبها الشيخ محمد ابن عبد الوهاب، و التي تفيد انه يأخذ بمذهب الشمول الشرعي لمصطلح ” أهل السنة ” –على المستوى الفقهى – حيث يقول مثلا في رسالته إلى عبد الرحمن بن عبد الله السويدي أحد علماء العراق(أخبرك أني ولله الحمد متبع ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة، لكني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وعن إشراكهم فيما يعبد الله به، مما هو من حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل)وهو هنا يقارب موقف بعض اعلام المذهب الحنبلي الذين قالوا بمذهب الشمول الشرعي لمصطلح أهل السنة على المستويين الفقهي والاعتقادى ومنهم الإمام ابن تيميه ، الذي أورد تعريفا عاما لمصطلح أهل السنة،يمكن ان ينطبق على العديد من المذاهب حيث يقول فى تعريف أهل السنه (هم المتمسكون بكتاب الله وسنة رسول الله وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان)(جموع الفتاوى (3/375). ويقول(فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى (3/346). كما يورد دلالتين للمصطلح ،الأولى هي الدلالة العامة له ويمكن ان يندرج تحتها المذاهب الفقهية : الحنبلي والشافعي والمالكي…والمذاهب ألاعتقاديه الكلامية: الاشعرى والماتريدي والطحاوي وأهل الظاهر حيث يقول ابن تيمية ( فلفظ السنة يراد به من أثبت الخلفاء الثلاثة ، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلاّ الرافضة )(منهاج السنة/ 2/ ص 221)، أما الدلالة الثانية فهي الدلالة الخاصة لمصطلح أهل السنة كما فى قوله ( وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة ، فلا يدخل فيه إلا من أثبت الصفات لله تعالى، ويقول : إن القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة ، ويثبت القدر وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة). اتساقا مع ما سبق فان الإمام ابن تيميه يعتبر أن المذهب الاشعرى هو احد مذاهب أهل السنه ،طبقا لمعيار نسبى مضمونه أن الاشاعره هم أهل السنه في البلاد التي يكون فيها أهل البدع هم المعتزلة والرافضة حيث يقول (… فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث، وهو يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم )(نقض تأسيس المطبوع/2/87). .).ويذكر عن الاشاعره أنهم من المتكلمين (المنتسبين إلى السنة )( الجواب الصحيح /1/252) .وممن قال بمذهب الشمول الشرعي لمصطلح أهل السنه العلامة السفاريني الحنبلي من خلال تقريره أن مصطلح أهل السنه يشمل ثلاثة فرق : الاثريه ” الحنابله” والاشعريه والماتريديه ، حيث يقول ( أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: الأثرية، وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه ، والأشعرية، وإمامهم أبو الحسن الأشعري رحمه الله ، والماتريدية، وإمامهم أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى) (لوامع الأنوار البهية 1 / 73) . وكذلك العـلامة ابن الشطي الحنبلي (تبصير القانع في الجمع بين شرحي ابن شطي وابن مانع على العقيدة السفارينية، الصفحة / 73) . والعلامة المواهبى الحنبلي (العين والأثر ص/53).
ثانيا: الضبط الشرعي لمفهوم التكفير عند علماء المذهب :
نفى علماء المذهب ادعاء تنظيمات الغلو في التكفير انتسابها إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
أما الضبط الشرعي لمفهوم التكفير عند علماء المذهب المعاصرين فيتضمن نفى هؤلاء العلماء ادعاء تنظيمات الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة ، انتسابها إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو السلفية أو الإسلام ، وتقريرهم أنها إحياء لمذهب الخوارج البدعى:
يقول الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ – مفتي المملكة العربية السعودية – عن تنظيمي القاعدة والدولة الاسلاميه في العراق والشام ( داعش) في بيان نشرته الصحف بعنوان ( تبصره وذكرى – )(… واستقراء الشريعة يدل على أن السماحة واليسر من مقاصد هذا الدين. وظهر للسماحة أثرٌ عظيم في انتشار الإسلام ودوامه, فعلم أن اليسر من الفطرة, لأن في فطرة الناس حب الرفق. وحقيقة السماحة التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط, والوسطية بهذا المعنى هي منبع الكمالات, وقد قال الله تعالى في وصف هذه الأمة: (وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) البقرة:143 ). في ضوء هذه المقاصد العظيمة, تتجلى حقيقة الوسطية والاعتدال, وأنها كمال وجمال هذا الإسلام، وأن أفكار التطرُّف والتشدُّد والإرهاب الذي يفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل ليس من الإسلام في شيء, بل هو عدو الإسلام الأول, والمسلمون هم أول ضحاياه, كما هو مشاهد في جرائم ما يسمّى بـ “داعش” و”القاعدة” وما تفرع عنهما من جماعات, وفيهم يصدق قوله – صلى الله عليه وسلم: “سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان, سفهاء الأحلام, يقولون من خير قول البرية, يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية, فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة”.وهذه الجماعات الخارجية لا تُحسب على الإسلام, ولا على أهله المتمسكين بهديه, بل هي امتداد للخوارج الذين هم أول فرقة مرقت من الدين بسبب تكفيرها المسلمين بالذنوب, فاستحلت دماءهم وأموالهم ). ويقول الشيخ الدكتور/ صالح الفوزان – في جواب عن سؤال طُرح عليه في التلفزيون السعودي، تنظيم الدولة الاسلاميه في العراق والشام (داعش) وممارساته فأجاب ( أن هذا إفساد وليس جهاد وأن هؤلاء خوارج ). ويقول الشيخ الدكتور/ صالح السحيمي- المدرس في المسجد النبوي الشريف – عن ذات التنظيم ( جماعة خارجية تكفيرية … لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة .). ويقول الفقيه الشيخ / مشهور ابن حسن عن ذات التنظيم (داعش حرب شعواء على السلفية!! بل يكفرون أو يضللون علماءنا! ونحن السلفيون ربانا وأصلنا علماءنا على أن نجبُن في الدماء والأموال كما قال الإمام أحمد ابن حنبل أنا أجبن عن الدماء ).
الضوابط الشرعية لمفهومي التكفير والقتال: ورغم نفى علماء المذهب المعاصرين ادعاء تنظيمات الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة ، انتسابها إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وتقريرهم أنها إحياء لمذهب الخوارج البدعى، الا أن هذه التنظيمات ظلت على ادعاءها ، وهو ما أدى استمرار اتهام المذهب بعدم الالتزام بالضوابط الشرعية لمفهوم التكفير والمفاهيم ذات الصلة كمفهوم القتال،وهو ما يفرض إجراء مزيد من الضبط الشرعي لمفهومي التكفير والقتال والذي يتضمن: أولا:النفي التفصيلي لصله تنظيمات الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمه بالمذهب والسلفية والإسلام، ثانيا: إلزام المنتسبين للمذهب بالالتزام بالضوابط الشرعية لمفهومي التكفير والقتال .
أولا: الضوابط الشرعية للتكفير:ا/ لا تكفير إلا بإنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة: لا يجوز تكفير احد إلا في حاله إنكاره ما هو معلوم من الدين بالضرورة ، والمقصود بالمعلوم من الدين بالضرورة النص يقيني الورود ( من الله تعالى أو الرسول”صلى الله عليه وسلم”) ، القطعي الدلالة (لا يحتمل التأويل) ، يقول الاما الشوكاني ( اعلم أن الحكم على المسلم بخروجه من دين الإسلام، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار (. .ب/ التكفير على العموم أما المعين فيتوقف تكفيره على استيفاء الشروط وانتفاء الموانع: جواز التكفير على العموم، بمعنى جواز القول بان المذهب المعين أو القول المعين هو كفر، أما الشخص المعين فلا يجوز القول بكفره إلا بعد استيفائه شروط التكفير وانتفاء موانعه عنه، والدليل على ذلك أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لعن شارب الخمر على العموم، ولما جلد رجلاً شرب الخمر قام رجل فلعنه فقال (صلى الله عليه وسلم) (لا تلعنوه فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله) (رواه البخاري(، فوجد الرسول(صلى الله عليه وسلم) مانع من اللعن العام وهو محبته لله والرسول .يقول ابن تيمية ( إن التكفير العام يجب القول بإطلاقه وعمومه، وأما الحكم على المعين بأنه كافراً أو مشهود له بالنار، فهذا يقف على الدليل المعين، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه) (ابن تيمية، الفتاوى، الفتاوى ،مجلد 12، ص22.(ج/ التمييز بين الكفر الأكبر” الاعتقادى” والكفر الأصغر” العملي” : التمييز بين الكفر الأكبر”الاعتقادى” وهو إنكار أصل من أصول الدين ، والكفر الأصغر” العملي” وهو المعصية، كقوله ( صلى الله عليه وسلم) (لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن) ، فالأول يوجب الخروج من الملة ، والثاني لا يوجب ذلك. يقول بن عباس (رضي الله عنه ) في تفسير قوله تعالى( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)( كفر دون كفر ) و يقول ابن القيم (فأما الكفر فنوعان :كفر اكبر وكفر اصغر..فالكفر الأكبر :هو الموجب للخلود في النار.والأصغر:موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود) (مدارج السالكين :1/364 (. . د/العذر بالجهل : عدم تكفير من جهل ان قوله هو كفر، ودليل ذلك في السنة قوله (صلى الله عليه وسلم) (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون). نقل الذهبي في الموقظة عن ابن تيمية (كنت أقول للجهنمية من الحلولية والنفاه ، الذين نفوا أن الله فوق العرش لما وقعت محنتهم ، أنا لو وافقتكم كنت كافراً لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال) وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم. و/ عدم جواز جعل الآيات التي نزلت فى الكفار على المسلمين: قال البخاري في صحيحة في ( كتاب إستتابة المرتدين ) : ( باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم وقول الله تعالى ” وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ” وكان ابن عمر رضي الله عنهما يراهم شرار خلق الله وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين.
ثانيا: الضوابط والشروط الشرعية للقتال:ا/ النية : عنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ”.ب/ وجوب استئذان الوالدين : عن عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) يَقُولُ(جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ! قَالَ: فِيهِمَا فَجَاهِدْ).، يقول الإمام الشوكاني ( يجب استئذان الأبوين في الجهاد وبذلك قال الجمهور ، وجزموا بتحريم الجهاد إذا منع منه الأبوان أو أحدهما، لأن برّهما فرض عين والجهاد فرض كفاية، فإذا تعين الجهاد فلا إذن .(|. .ج/أن الجهاد يكون مع جماعة المسلمين، وليس مع آحاد الناس أو جماعه من المسلمين: قال تعالى(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا ) ( التوبة :38)، وقال الرسول(صلى الله عليه وسلم)(إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَعَدَلَ، كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ، وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ) ، وقال الإمام أحمد بن حنبل(والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة – البر والفاجر – لا يترك).د/ لا قتال لمن يقيم الصلاة ويؤذن لها: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ النَّبِيَّ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِم . ه/ حرمه قتل المعاهدين والمستأمنين: قال الرسول(صلى الله عليه وسلم)(مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا)(رواه البخاري في صحيحة) ، و/عدم جواز نقض العهود والمواثيق: قال تعالى (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاق)، ى/عدم جواز قتل المدنيين: روى عن أنس بن مالك ( رضي الله عنه ): أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان إذا بعث جيشاً قال : ( انطلقوا باسم الله لا تقتلوا شيخاً فانياً و لا طفلاً صغيراً ولا امرأة ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)( رواه أبو داود في السنن. ز/ إجماع أهل السنة على تحريم الخروج بالسيف(التغيير المسلح): اجمع علماء أهل السنة على قاعدة تحريم الخروج بالسيف، اى تغيير الحاكم باستخدام القوه المسلحة ، يقول الإمام ابن تيمية (وأما أهل العلم والدين والفضل؛ فلا يرخّصون لأحدٍ فيما نهى الله عنه:من معصية ولاة الأمور، وغشهم، والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عُرِف من عادات أهل السنة والدين قديمًا وحديثًا، ومن سيرة غيرهم) (مجموع الفتاوى:35/12)، ويقول الإمام النووي (وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام بإجماع المسلمين – وإن كانوا فسقة ظلمة – وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق) (شرح مسلم:12/432-433) .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق