الجمعة، 22 مايو 2015

تكفير زيدي و أشعري


تكفير زيدي و أشعري

السبت - 5 شعبان 1436 هـ - 23 مايو 2015 مـ رقم العدد [13325]

 هل وجدت جماعة تعتمد خطابًا دينيًا وتنهض على قوة سياسية لم تقاتل خصومها؟ ما جرى بين البروتستانت والكاثوليك هو فصل عميق من فصول الذاكرة الأوروبية، وما جرى قبل بين طوائف الشرق المسيحي، المتمردة على إكليروس بيزنطة أو روما، هو الآخر فصل دامٍ من كتاب الدين والسياسة لدى المسيحية.
في السياق الإسلامي، ولأسباب سياسية دعائية، جرى تحميل السلفية وحدها مسؤولية القتال والتكفير، لكن هل هذا صحيح؟
أكتفي في السياق التالي بنموذجين صارخين على استخدام الدين والتكفير والقتل، ليس من أشياخ أو وعاظ في المساجد، بل من قادة دول وحكام.
النموذج الأول، يخص أحد أشهر أئمة الزيدية في التاريخ، وهو المنصور عبد الله بن حمزة، الموسوم بغزارة العلم، ونقاء البيان والبلاغة، ولكن في نفس الأمر، كان مسرفًا في القتل، مستسهلاً للتكفير، حتى لمن خالفه من الزيدية.
عبد الله بن حمزة العلوي، أعلن عن نفسه إمامًا في صعدة سنة 593هـ، وتسمى الإمام المنصور، توفي في كوكبان سنة 614هـ، وفي عصره جمع الجموع من صعدة وغيرها لقتال الأيوبيين، الشافعية، في صنعاء، ومن معهم من عرب اليمن، واستباح تكفيرهم، بل وله فتوى شهيرة في استباحة السبي، سبي النساء، وسطّر له التاريخ صفحات سوداء، في القتل باسم الدين، والغلو في حصر الصواب والحكم، في سلالة «البطنين» أي نسل الحسن والحسين. وقد توعد في شعره بقطع لسان من يجيز لنفسه أن يحكم، حتى ولو كان محبًا لآل البيت، ممن هو من غير ذرية البطنين، الحسن والحسين.
الأغرب كان مجازره بحق فرقة زيدية منقرضة تسمى بالمطرفية، ليس هنا مكان الشرح عن مقولاتها، وفيها جوانب غلو هي الأخرى، خاصة تجاه الإمام المؤسس، الهادي، ولكن أبرز مقولة أغاظت الإمام المنصور عبد الله بن حمزة، هي إجازتهم أن يكون الإمام من غير البطنين.
كفر ابن حمزة المطرفية، وأقسم على تشريدهم وقتلهم، وكفرهم، وفعل ذلك بالفعل بعد أن أوقع بهم في منطقة يقال لها «ثلا» وسلط السيف على رقابهم، وطارد بقيتهم. وكل هذه التفاصيل موجودة ومرصودة لدى كتب التاريخ التي عنيت بموضوع المطرفية وقصة الإمام «المنصور» عبد الله بن حمزة.
نموذج آخر، سني أشعري، هذه المرة، وهو المهدي السوسي، البربري، محمد بن تومرت (توفي 524هـ) وقد ثار الرجل على دولة المرابطين، وكفّر حكامها، بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجمع الأنصار في جبال السوس، وألف لأتباعه من البسطاء، كتابًا سماه «التوحيد»، وألزمهم بحفظه وتدارسه وكفّر من لم يتبع كتابه، وأباح لأتباعه جهاد خصومهم، وسبي نسائهم وذراريهم وأموالهم.
استمرت دولة الأئمة الزيدية، متجاوزة مجازر ابن حمزة، وكذا استمرت دولة الموحدين في المغرب، مشكلة فصلاً من فصول التاريخ المغربي.
بكلمة: لغة كانت واحدة، وإن اختلف تشكيل الحرف. وجل ما يقال الآن هو اتهامات سياسية بلبوس ثقافي.

m.althaidy@asharqalawsat.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق